التيارات النسوية في لبنان: بعد الولاء للوطن، هل سينتفض الجسد خلال "الربيع العربي"؟

Publishing Date: 
June, 2015
Dossier: 
Gender Equity Network
Author(s): Bernadette Daou
Abstract: 
يستكشف البحث الموجات المختلفة للحركة النسوية في لبنان منذ خمسينات القرن العشرين وتشكيل الدولة القومية، مروراً بصعود "اليسار الجديد" في السبعينات، وانشقاقات يسار ما بعد الحرب الأهلية وعولمة القضية النسوية في التسعينات، وأخيراً، صعود "القضايا الجديدة" المرتبطة بالحقوق الجسدية التي تطوّرت ضمن الحركة المناهضة للإمبريالية وحركة العولمة البديلة في أوائل الألفية الثانية، والتي تستمر في سياق الثورات التي تشهدها المنطقة. كما يدرس البحث علاقة تلك "الموجات" بالنظام الأبوي اللبناني، فضلاً عن إعادة تشكيل و/ أو تجديد الحركات الناشئة في ضوء الحراك الثوري.
Keywords: Women's Movement, Social Movements, Arab World, Feminist
Full text: 
Full text
Image source: http://www.midafternoonmap.com/2013/07/the-uprising-of-women-in-arab-world.html

اليوم، تتم تعبئة قطاعات جديدة من المجتمع اللبناني حول حقوق المرأة والعنف الموجّه ضدها، وتظهر الحركات النسوية في ظل سياق مقيّد لعملها: مجتمع أبوي (بطريركي) مقسّم طائفياً1. فالنظام الطائفي يرى المجتمع كتشكيلة من المجموعات المحددة (في هذه الحالة، المذاهب الدينية وكذلك العوائل الممتدة) ويختزل الفرد في هويته "الأولية"، كما يقوّض عملية التمايز الفردي وتطوير هويات أخرى ويعقّدها. من جهة ثانية، فإن قوانين الأحوال الشخصية التي يعتمدها هي تمييزية ضد النساء دون غيرهن (في الطلاق والإرث والوصاية...). 

للوهلة الأولى، يمكن القول إن بعض النساء اللبنانيات يتمتعن بهامش من الحرية لا يتوفر في بعض الدول المجاورة. ولم تتردد الدولة اللبنانية في المصادقة على "اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة" (سيداو) في ١٩٩٧، بالرغم من تحفظها على المواد ٩، ١٦، و٢٩). كما يؤكّد الخبراء إحراز بعض التقدّم على مستوى التعليم، وخاصة في التعليم العالي. وكذلك أُلغيت المادة ٥٦٢ من قانون العقوبات المتعلقة بجرائم الشرف في العام ٢٠١١، ومؤخراً، قام البرلمان اللبناني بإقرار قانون لحماية النساء من العنف الأسري في ربيع ٢٠١٤.

رغم ذلك، يحتل لبنان المركز ١٢٣ بين ١٣٦ دولة في قياس الفجوة بين الجنسين (الفجوة الجندرية)، وفقاً لتقرير أصدره "المنتدى الاقتصادي العالمي" في جنيف في العام ٢٠١٣2.  فالتشريعات القانونية، في قوانين الأحوال الشخصية وقانون العقوبات، ما تزال تميّز ضد المرأة - وتبرئة المغتصب الذي يوافق على الزواج من ضحيته لهو أفضل مثال (المادة ٥٢٢ من قانون العقوبات اللبناني). أما العنف الأسري والاغتصاب الزوجي، فهما من المشاكل البارزة على المستوى الوطني، حيث ثلثا النساء في لبنان يتعرضن لشكل من أشكال العنف الأسري، كما بيّنت دراسة لـ "صندوق الأمم المتحدة للسكان"3. علاوة على ذلك، يحظر القانون اللبناني على المرأة تمرير جنسيتها إلى أولادها أو زوجها، ما يطرح جملة من القضايا المترابطة والمتشابكة كالجنسية والهوية والطائفية والأحوال الشخصية.

تستكشف هذه الورقة، من ضمن السياق أعلاه، طبيعة التعبئة التي تبادر بها الحركات النسوية في هذا البلد، بالإضافة إلى بنية الناشطات النسويات والمسار الذي يتبعنه في هذه الحركات. وسيتم اعتماد تعريف واسع للنسوية، حيث تشمل الحركات التي لا تدّعي الفلسفة النسوية بالضرورة. فالانتماء الفلسفي قضية محورية تواجه الحركات النسوية في العالم العربي وفي لبنان، بشكل خاص. فهن دائماً عرضة للاتهام بمحاباة الغرب، بالرغم من أن الحركات النسوية كانت قد نشأت وتطورت في سياق النضال من أجل الاستقلال. لذلك، تقترح هذه الدراسة أن يخرج النقاش من التمييز الجوهري بين نسوية غربية ونسوية شرقية، لإتاحة القراءة في السياق التاريخي لظهور كل منها وتطورها.

وبينما تحصر هذه الورقة دراستها في الحركات النسوية المنظمة في إطار زمني يبدأ مع نشأة الدولة اللبنانية، فهي تطرح أن الحراك النسوي في لبنان قد جاء على شكل موجات، كتلك التي شكلتها الحركات النسوية في أماكن أخرى حول العالم4.

غالباً ما تتولّد هذه الموجات كنتيجة لـ "حدث" معيّن، ويمكن تحليلها ومقاربتها في الواقع مع مفهوم "الدورة التعبوية" الذي وضعه سيدني تارو، كمجرد "موجات، تمتد وتنحسر، من الفعل الجماعي وردّات الفعل المرتبطة بها بشكل وثيق"5، وهي تشمل ثلاث مراحل: "مرحلة التمرّد الصاعدة والمتعلقة    بـ "لحظة الجنون"، حيث يبدو أن كل شي ممكن، ثم مرحلة الذروة، وعلاماتها الراديكالية في الأفعال، ثم مرحلة التراجع التي تنقسم بدورها إلى أربع (تشكيل المنظمات الجديدة، روتينية العمل الجماعي، الاكتفاء بالمطالب الجزئية، وفك الارتباط) "6. وقد اختيرت عبارة "موجة/ موجات"7 لغرض هذه الورقة، بسبب اصطلاحها في وصف الحركات النسوية حول العالم.

وفي حين تتحقق هذه الورقة من قدرات المنظمات النسوية على إحداث التغيير الاجتماعي، ستقوم أيضا باستكشاف علاقتها الملتبسة مع البطريركية اللبنانية، وتقاربها مع اللاعبين المؤثرين في المجال السياسي، وصعوبة النأي بنفسها عن البنى المهيمنة. فتميل أولئك النسويات إلى الرقابة الذاتية عندما يتعلق الحديث عن أجسادهن وجنوستهن، بالرغم من الاضطهاد القائم على جوهرهن كنساء وعلى سيطرة الرجال والمجتمع البطريركي على جسد المرأة. أجادل هنا بأن للحركة النسوية في لبنان ميزتين أساسيتين؛ فهي تتأطر ضمن حركة وطنية منذ الاستقلال إلى تحرير الجنوب، وليس كحركة حقوق مدنية، كالتي درسها تارو، إضافة إلى استئثار الرجال بالمطالب النسوية، عوض إيجاد تمايز أكثر جذرية.

ينطلق هذا البحث من التحليل الاجتماعي - التاريخي لخطابات المنظمات النسوية في لبنان وأجنداتها، ويسعى إلى تحليل ديناميات الحركة النسوية من منظور تاريخي وقياس العوامل الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تسهّل تطورها التاريخي هذا أو تعيقه. وقد استند البحث في أدلته على مسح لسبع منظمات وحملات نسوية: "المجلس النسائي اللبناني"، "لجنة حقوق المرأة اللبنانية"، "التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني"، "اللجنة الأهلية لمتابعة قضايا المرأة"، منظمة "كفى عنف واستغلال"، "نسوية"، و"جنسيتي حق لي ولأسرتي".

كما هدف الرصد الفاعل لتلك المنظمات (من خلال مراقبة اجتماعاتها ومؤتمراتها، الخ.) إلى الوصول إلى فهم أعمق لبنيتها، تحديد خصائص ناشطاتها وناشطيها، واستيعاب القضايا الرئيسية التي تحملها. وتم تنظيم عدة مقابلات (شبه موجهة) مع ناشطات في تلك المنظمات (١٥ مقابلة بالإجمال)، هدفت إلى الوصول إلى فهم أفضل لقابلية الناشطات المتعلقة بالالتزام النسوي: أي معنى يعطينه للنضال؟ وما هي القضايا التي يدافعن عنها؟ وما هو موقعهن بالعلاقة مع النظام البطريركي في لبنان؟ الخ. وقد سعت المقابلات شبه الموجهة إلى استكشاف النضال النسوي في لبنان من خلال نظرة معمقة لخطاب اللواتي شملهن الاستطلاع، وتقديم معلومات أوسع حول تاريخهن وتجاربهن ونظرتهن للنضال النسوي، ودوافعه وحيرته وغموضه. يفضي هذا الأسلوب إلى فهم ذاتية الفعل في الفضاء الاجتماعي ووجهات النظر الشخصية المتعلقة بالنشاطات والفعاليات المعنية، ونظرة الفاعلات إلى العالم، الخ.

وقد تم تنظيم عرض النتائج في قسمين. سيضيء القسم الأول على ظروف التسلسل الزمني لصعود موجات النسوية المختلفة في لبنان، وسيناقش القسم الثاني المسافة بين النشاط النسوي والنظام الطائفي البطريركي فيه. 

١. الموجات النسوية في لبنان من منظور تاريخي 

يركز القسم الأول على تتبع تاريخ الحركات النسوية في السياق المحلي في لبنان، من جهة، ويقوم بتسليط الضوء على استمراريتها وقطيعتها مع المنظمات والحركات التي سبقتها، من جهة أخرى. هكذا، تم رصد أربع "موجات" من الحراك النسوي منذ استقلال لبنان إلى اليوم: الأولى نشأت في عام الاستقلال، ١٩٤٣؛ والثانية ظهرت بعد "نكسة" الهزيمة العربية في ١٩٦٧ وصعود "اليسار الجديد"8؛ أما الثالثة، فقد أبصرت النور في سياق لبنان ما بعد الحرب الأهلية ودلّت على بروز المنظمات غير الحكومية9 ؛ ومؤخراً، جاءت الحركة الرابعة مع بداية الألفية الثانية في سياق حركة مناهضة الحرب والعولمة10 .

نبذة تاريخية موجزة

تحدد معظم الدراسات بدايات القرن التاسع عشر كنقطة انطلاق لدراسة الحركات الاجتماعية والحركات النسائية في العالم العربي بشكل خاص، وتحديداً لبنان (وذلك قبل تشكّله كدولة مستقلة). بدأت هذه الفترة مع "الحملة على مصر" بقيادة نابليون بونابارت، ثم جاء عصر النهضة والليبرالية العربية. وقد أصبحت قضايا المرأة من القضايا المركزية في أواسط ذلك القرن: "فبالنسبة لرواد النهضة، كان تدني موقع المرأة هو السبب الأساسي لتخلف المجتمعات العربية والإسلامية، وأجمعوا على أن لا نهضة للعرب والمسلمين من غير نهضة النساء العربيات"11.

أولئك الرجال، وقلة من النساء، مثلوا/ ن نخبة أسهمت في نشوء حركة من أجل "نهضة المرأة"، كما توضّح كارولين سكر في بحثها حول الحركة النسائية في لبنان. رواد (ورائدات) هذه الحركة، كبطرس البستاني، رفاعة الطهطاوي، جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، قاسم أمين، جبران خليل جبران، أمين الريحاني، ومي زيادة، سعوا/ ين جميعاً لتعليم النساء الأرستقراطيات والبورجوازيات داخل منازلهن، لكي يقمن بتعليم أولادهن بشكل أفضل12.

وقد تجسد الاستثناء الوحيد في مسألة تعليم النساء ومواجهة التقاليد الدينية في شخص نظيرة زين الدين، التي عارضت الحجاب ودافعت عن حق المرأة في المشاركة في السلطة والمساهمة في تفسير النص الديني. وقد أدى نقدها للقانون اعتراضاً على الحجاب إلى ردة فعل عنيفة من رجال الدين، حيث اتهموها بالإلحاد وقاموا بتعبئة الاحتجاجات ضدها13.

استمرت المطالبة بحق المرأة في التعليم مع انخراط النساء في الصحافة. ومع اتساع رقعة تعليم الفتيات من الطبقات العليا، خاصة في المجتمع المسيحي، فقد بدأن واقعياً في تشكيل جمعياتهن والترويج لنشاطاتها في صحفها. وبينما قامت تلك الجمعيات على الدوافع الإنسانية والخيرية، لم تغب الدوافع الشخصية عن تلك الرائدات، فأسسن أطراً جديدة للتمكن من استخدام مهاراتهن المكتسبة حديثاً، وعرضها وتحسينها في الوقت ذاته14 . 

وبالتالي، فقد شهدت العشرينات من القرن الماضي تكاثر الجمعيات والمجلات: "مينرفا" (١٩١٧) التي أسستها ماري ينّي، "الفتاة" (١٩١٨) التي أسسها محمد الباقر، "فتاة الوطن" (١٩١٩) التي أسستها مريم الزمار، و"الفجر" (١٩١٩) التي أسستها نجلاء أبي اللمع، الخ.15 وقد تبلورت المنظمات النسائية بأشكال مختلفة: دينية، ثقافية وطنية، عائلية، بالإضافة إلى تلك التي تفرعت من منظمات الرجال16.

الجيل الأول من النسويات: الاستقلال الوطني والحقوق السياسية للنساء

بعد استقلال الدولة اللبنانية، تبلور الجيل الأول من المنظمات النسوية في النضال من أجل الحقوق السياسية للمرأة. وقد استندت مطالب أولئك النسويات على مشاركتهن في حركة الاستقلال الوطني جنباً إلى جنب مع الرجال، وعلى القانون الدولي الناشئ في تلك الفترة. لكن أولويات الزعماء الطائفيين في المؤسسات السياسية المستقلة حديثاً كانت مختلفة. وبالفعل، تم حرمان النساء صراحة من الحق في التصويت والترشح للبرلمان في أول قانون انتخابي أقر في العام ١٩٥٠17، وجاءت أولى المظاهرات والاجتماعات التنسيقية ضمن هذا السياق.

في العام ١٩٥١، أدّى هذا الوضع إلى توحيد المنظمات النسوية، لكن الحركات النسائية اللبنانية استمرت منقسمة بين شبكتين، إحداهما للمسلمات والأخرى للمسيحيات. فتم تشكيل "جمعية التضامن النسائي" من مجموعة من الجمعيات الخيرية المسيحية تحت قيادة لور ثابت، وأصبح "الاتحاد النسائي اللبناني"، الذي تأسس في ١٩٢٠، يضم الجمعيات النسائية المسلمة وتلك التي تشكلت كأذرعة للأحزاب القومية العربية واليسارية18.

تكمن أهمية الحملة من أجل الحقوق السياسية في نتائجها الاجتماعية - السياسية، فقد كانت نشأة "المجلس النسائي اللبناني" إحدى ثمرات النصر في العام ١٩٥٢، عندما تم إقرار مطالب الحقوق السياسية للمرأة19. ومع ذلك، لم تقم الحملة بتشجيع المنظمات النسائية على إعداد جدول أعمال نسوي، واكتفت بالاستفادة من حماية "أرباب الأسر" وتشجيعهم. في الواقع، فإن جهود لور مغيزل، إحدى قائدات حركة حقوق التصويت، أتت بتشجيع وموافقة وحماية من مؤسس حزب الكتائب اللبنانية، بيار الجميل، الذي أراد "تحديث وتغريب المرأة والبلد"20. علاوة على ذلك، قام المجلس النسائي بمحاكاة النظام السياسي من خلال التناوب في قيادته بين المسيحيات والمسلمات.

تلك المقاربة لم تكن بعيدة عن التي اعتمدتها بعض المنظمات "المدنية" في تسعينات القرن العشرين، والتي بحثها كرم كرم، حيث أن "المبادئ الموضحة في أهداف وغايات الجمعية تخلو من التمييز الطائفي، لكن استقطاب وتنظيم المجموعة يمكن أن يعمل ضمن منطق التمييز الإيجابي، حيث يتم اعتماد التصنيفات المرفوضة بشكل ضمني"21.

وتلخص كارولين سكر خصائص المنظمات النسائية بعد الاستقلال بكونها غير راديكالية، فقد تبنت نهجاً يفصل ما بين القضية النسوية، من جهة، والمسائل الاجتماعية والبنيوية، من جهة أخرى. ولم تهتم تلك النخبة بالدفاع عن النساء من الطبقات الاقتصادية الأدنى، مثلاً، وكانت عدة منظمات من المجلس النسائي فاقدة للتمثيل وبدا أن الحفاظ على الوضع الراهن هو هدفها الوحيد عند تناول المسائل الاجتماعية 22.

عكس الخطاب النسوي لهذا الجيل درجة التداخل بين الهوية القومية/ الوطنية والهوية النسائية، فقامت النسويات بتبرير مطالب الحقوق السياسية من خلال الإضاءة على دور المرأة في معركة التحرر الوطني، وشكّل الارتباك بين الهوية النسائية والهوية القومية جزءاً من خطاب الأحزاب السياسية في تلك المرحلة، على اليسار كما على اليمين23

الموجة النسوية الثانية: تجربة التجمعات اليسارية

شهدت بداية الستينات من القرن الماضي تغيراً في دور الجمعيات في سياق التحولات في الدولة والمجتمع التي أدت إليها "المرحلة الشهابية"24 في لبنان. فسياسات فؤاد شهاب25 الإصلاحية  أفضت إلى بروز نوع جديد من الفاعلين الاجتماعيين26، نتيجة لمحاولة الحكومة لعب دور أكبر في المجتمع، فوجدت ضالتها في الجمعيات، خاصة النسائية، للمساهمة في إيجاد حلول للمعضلات الاجتماعية.

وفقاً لكرم كرم، "خلال الفترة الثانية (١٩٥٨-١٩٧٥)، تبلورت مجموعة من عناصر الترابط بين المجالين السياسي والجمعوي، تسترشد بإرادة سياسية حداثوية وتنموية"27. وتجدر الإشارة إلى أن مشروع شهاب الإصلاحي، الذي جاء بعد تقرير بعثة "إيرفد"28، أتى استجابة للأزمة السياسية والاقتصادية-الاجتماعية التي "نحت باتجاه المواجهة الطائفية"29 في ١٩٥٨. وهكذا، بدأت بعض الجمعيات بلعب دور عام، سعياً لإنماء المناطق الأكثر حرماناً.

ضمن هذا السياق، قامت فهمية شرف الدين بتتبع بدايات الموجة الثانية من الحركات النسوية في لبنان في أواخر ١٩٦٠. وقد تميزت تلك الفترة بخيبة الأمل عقب الهزيمة في حرب ١٩٦٧ بين إسرائيل والدول العربية30، فتحوّلت البلاد إلى مختبر للحركات السياسية، ونشأت مدارس فكرية جديدة في الأحزاب السياسية والمنظمات النسوية31.

وقد نشأت المنظمات النسائية في تلك الفترة كأذرعة للأحزاب القومية واليسارية. فعلى سبيل المثال، تم تأسيس "التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني" في ١٩٦٧ كمنظمة شقيقة لـ "منظمة العمل الشيوعي"، وفي ١٩٨٠، قام "الحزب التقدمي الاشتراكي" بإنشاء "الاتحاد النسائي التقدمي" التابع له. وقد كانت القاعدة الفكرية الأولى في رؤى تلك المنظمات هي الحداثة، وشكل الاستقلال الوطني والتنمية المناطقية حجر الزاوية الثاني. 

لم يكن للحركات النسوية من الموجة الثانية أجندة مستقلة عن الأحزاب السياسية التي تنتمي إليها. كما أنها لم تدافع عن حقوق المرأة من خلال حملات عامة محددة، فـ "انتصار القضية النسوية يعتمد على انتصار القضية الاشتراكية".32وتحدثت ناشطات تمت مقابلتهن عن سياسات الاحتواء والإلحاق التي مارستها الأحزاب السياسية تجاه لجان المرأة: "سمحوا لنا بتشكيل لجنة للمرأة، لكنهم سيطروا على عملنا وراقبوا كل اجتماعاتنا"33 . ويبدو أن الفصل بين "التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني"، مثلاً، و"منظمة العمل الشيوعي" كان على المستوى التنظيمي لا غير، وبالرغم من أن الاستقلالية التنظيمية كانت بهدف تلبية احتياجات خاصة بالنساء، فإن التجمع حافظ على البناء الإيديولوجي ذاته للمنظمة الأم.

بالتالي، فشل "التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني" في رسم خطوط عريضة لإيديولوجية خاصة به. وفي سياق الحرب الأهلية، أعطت تلك النسوية الأولوية للعمل الإغاثي وتقديم المساعدات لضحايا الحرب. فقد أدى الاصطفاف مع "منظمة العمل الشيوعي" إلى فقدان "التجمع" - والنسويات من تلك الموجة بشكل عام - القدرة على استقطاب اللواتي زعمن تمثيلهن، ولا سيما النساء من الطبقات الاجتماعية الدنيا. في الواقع، تم التلاعب بالتعريف العام للطبقات الاجتماعية داخل الأوساط اليسارية في "الحركة الوطنية اللبنانية"، وفقاً لمصالح الفصائل المختلفة. وقد ركّز ذلك النهج على الطائفة، وليس على العلاقة بوسائل الإنتاج، كما في التعريف الماركسي.

جيل اليسار هذا، بما في ذلك "التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني"، فشل في ترجمة أفكاره العلمانية والانفتاح الفكري الذي ميّز رواده إلى عمل سياسي، بل ساهم في تفاقم التوترات الطائفية، من خلال تبنيه ما يطلق عليه البعض مفهوم "الطبقة الطائفة"34. وقد تجلى ذلك تحديداً في فشل "التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني" في التوفيق بين المقولات الإيديولوجية المحددة من قبل "منظمة العمل الشيوعي"، من جهة، والخطاب الخاص بها، من جهة أخرى، وعلى وجه التحديد "اللامساواة داخل الأسرة، المؤطر في قوانين الأحوال الشخصية الطائفية داخل النظام الطائفي"35.

أسهمت عوامل عدة في الانتقال من الحركة النسوية القومية في الموجة الأولى إلى الحركة النسوية اليسارية في الثانية. ففترة الشهابية سمحت للجمعيات المشكلة حديثاً اختيار مكونات من الخطة الاصلاحية والمشاركة من خلالها في الجهود الحكومية. كما أفضت الهزيمة في حرب ١٩٦٧ إلى خلق تساؤلات حول الإيديولوجية القومية لحركات الاستقلال، مما شجع على تشكيل تجمعات يسارية جديدة تغذّت من تدفق المناضلين/ ات النقابيين/ ات والطلاب/ الطالبات. تبنّت هذه الموجة النسوية خطاب اليسار، ولعبت الدور الحيوي في الاستقطاب الجديد في هذا الاتجاه. كذلك، استفادت النسويات اليساريات من الموجة الثانية من انفتاحها على شبكات دولية من النسويات من الموجة نفسها في الولايات المتحدة وفرنسا، من خلال كتاباتهن، بالإضافة إلى التمويل المتاح عن طريق تلك الشبكات. لكنْ، كان لانطلاقة الحرب الأهلية في لبنان التأثير الكبير على تطور النشاط النسوي، وأصبح العمل الإنساني أولويتها القصوى.

في جميع الأحوال، فإن الخطاب النسوي في تلك الفترة لم يختلف كثيراً بالمقارنة مع الموجة التي سبقتها، فقام بدمج هوية الأنثى في الهوية الوطنية، من دون مشاركتها الحقيقية في صنع قرار الحركات السياسية. فقد كرست الناشطات النسويات مجمل جهودهن تقريباً لتقديم العون والمساعدة أثناء الحرب الأهلية. بالنسبة إلى شرف الدين، استطاعت الأحزاب السياسية استملاك عمل الحركات الاجتماعية والنسائية وجعلت من أولوياتها أولويات للنسويات كذلك.

الموجة الثالثة وعولمة السياسات النسوية

شكّل المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة الذي عقد في بكين في عام ١٩٩٥، والتحضيرات اللبنانية ذات الصلة، الحدث الرئيسي للنسويات بعد نهاية الحرب الأهلية في لبنان (١٩٧٥-١٩٩٠). فشهدت تلك الفترة تشكيل منظمات جديدة، مثل "اللجنة الأهلية لمتابعة قضايا المرأة" و"الهيئة اللبنانية لمناهضة العنف ضد المرأة"، الأمر الذي أتاح تجديد شباب الحركات النسوية ورؤيتها، على غرار منهجية بكين هذه المرة. وتم توليد لغة اصطلاحية حديثة حول القضايا "الجديدة"، مثل "التمييز الإيجابي"، "العنف القائم على النوع الاجتماعي"، و"المواطنة الكاملة"

وكجزء من التزاماتها المتعلقة بالمصادقة على اتفاقية "سيداو"، قامت الدولة اللبنانية بإنشاء "الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية" في العام ١٩٩٦، التي تحولت إلى مؤسسة وطنية في ١٩٩٨ بموجب القانون رقم ٧٢٠. واستطاعت الهيئة وضع استراتيجيتين قيد التنفيذ بالشراكة مع المنظمات النسوية في المجتمع المدني، الأولى في العام ١٩٩٧ والثانية في العام ٢٠١١. سعت الاستراتيجية الثانية إلى تحقيق المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في شتى التشريعات في مجالات الصحة والتعليم، ومكافحة الفقر بين النساء، وتعزيز مشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية والسياسية، ومكافحة العنف ضد المرأة، وتغيير الصور النمطية الاجتماعية، وتعزيز العمل النسوي الوطني، والشراكة مع المجتمع المدني.

ويبدو أن الطابع التخصصي في المنظمات غير الحكومية النسوية ظهر مع إضفاء الطابع المؤسسي على بعض البرامج التي تديرها الحكومة. استجابت هيكليات المنظمات غير الحكومية الجديدة لمتطلبات الجهات المانحة الدولية: تحولت المبادرات إلى "مشاريع"36 ، والنشطاء إلى "موظفي" مشاريع وعاملين/ ات بأجر37. عملياً، أثّر هذا التحول إلى نمط المنظمات غير الحكومية على هيكليات المجموعات النسوية، وأيضاً على محتوى مطالباتها.

من العوامل الهامة التي غالباً ما ترافق التحول إلى نمط المنظمات غير الحكومية هي البحث الدائم عن التمويل لدى الجهات المانحة. لكن هذا التمويل، الذي تتوقف عليه استمرارية الهيكليات الجديدة، يساعد في الوقت ذاته على خلق الشقاق والتناحر داخل المنظمات وفيما بينها. وقد جعل اعتماد أولويات الجهات المانحة المنظمات غير الحكومية في منافسة محمومة، وساهم في انحرافها عن أهدافها38.

ترافقت العملية مع تحول في الخطاب النسوي، وتركيزه على إصلاح القوانين القائمة. وقد وصفت بعض الناشطات هذه العملية بالتحول من خطاب "يساري" إلى خطاب "تجزئة القضايا". وهكذا، تم تكييف خطاب النسويات الشيوعيات في سبعينيات القرن العشرين مع ما يسمى اليوم بالعولمة.

الموجة الرابعة: نسوية يسارية متجددة

ظهرت الموجة النسوية الرابعة في لبنان في سياق حركة حقوق المثليين والمثليات والثنائيين والثنائيات والمتحولين والمتحولات جنسياً التي نشأت خلال التعبئة اليسارية في أوائل القرن الجديد39. وقد تبنّت ناشطات هذه الموجة موقفاً نقدياً من الجمعيات النسوية القائمة، وتحديداً حول تجاهلها التام للقضايا المتعلقة بالحقوق الجنسية والجسدية.

لم تختلف تجربة النساء في جمعية "حلم" عن التي حدثت في عدة حركات للمثليين والمثليات حول العالم، وتحديداً في مسألة العلاقات التنظيمية بين المرأة والرجل داخا الحركة. وبالرغم من أن "حلم" كانت قد حددت موقعها، من حيث المبدأ، بمواجهة النظام الأبوي، أدّى النضال المثلي إلى استنساخ المنطق الذكوري40، وأدى منطق العلاقات السلطوية البطريركية إلى انفصال مجموعة من النساء عند كل نزاع41.

تزامن انسحاب النساء من "حلم" مع إنشاء مجموعة "حلم بنات"42، حيث شعرت "البنات" في الجمعية حاجة إلى التواصل معاً ومناقشة تجاربهن واحتياجاتهن في بيئة آمنة، وقمن بعقد اجتماعات خارج مقر الجمعية. وتم تأسيس مجموعة مستقلة في العام ٢٠٠٦، تحت اسم "ميم"، حيث تم منع الكلام في السياسة والدين43. لكن، وبعد عدة حلقات من المناقشات السياسية "الحتمية"، قرر جزء من المجموعة تأسيس "المجموعة النسوية"، الذي بدأ كمنصة إلكترونية لنشر الآراء حول وضع المرأة في لبنان.

أما جمعية "نسوية"44، فقد نشأت لاحقاً في ٢٠٠٩، كإعادة تأسيس لـ"المجموعة النسوية" الذي انفرط عقده بسبب استحالة التوفيق بين الآراء السياسية المتناقضة ضمن المجموعة. ركّزت "نسوية" على التمايز عن الحركة النسوية القائمة، وأكدت ناشطاتها على الخطاب "التقاطعي" في سبيل تحرير المرأة. وقد اعتبرن أن "النساء لسن كائنات بيولوجية فحسب، بل أيضاً نتاج التفاعل بين الجوانب المختلفة التي تشكل الهوية وفي السياق اللواتي يعشن فيه تحديداً"45.

تبلور عمل جمعية "نسوية" حول ما يسمى بـ "سياسات الهوية"، خاصة الجنسية، والهوية المثلية تحديداً. وعلى الرغم من "راديكالية" الخطاب والمقاربة الجديدة لهوية الأنثى وجسدها بأكمله، لم تحمل تلك المنظمات أي برنامج سياسي. وكأسلافه، واصل الجيل الجديد من النسويات العمل في أوساط النخبة، وعملياً، تم إهمال عوامل القمع المجتمعي الأخرى، كالطبقة الاجتماعية. فعلاقة مجموعة "نسوية" مع "السياسة" بقيت تجريبية، تقارب المجال السياسي من خلال التجربة، لا من خلال إيديولوجية محددة مسبقاً، واضحة المعالم، وغير قابل للتغيير. بتعبير أدق، خُلقت المجموعة حول الهوية المثلية دون غيرها، لا كنتيجة لتمايز إيديولوجي عن "حلم". 

وحيث عبّرت "نسوية" عن نفسها كمجموعة يسارية، يمكن اعتبارها بالفعل كجزء من اليسار الجديد المناهض للحرب والحركة العالمية المناهضة للعولمة النيوليبرالية، التي نأت بنفسها عن اليسار التقليدي ونسويته. لكن الجمعية لم تتمكن من الخروج عن كونها إطار يجمع ناشطات لديهن لغة مشتركة46، وزي مشترك، وأسلوب حياة مماثل47. وقد بدأت عملية التسييس في جمعية "نسوية" "ما بعد الحدث"، ولم يأت نشاطها أو تنظيمها نتيجة رؤية مسبقة، وهو ما قد يكون السبب الرئيسي في الانشقاقات المتكررة التي شهدتها، لكنه أيضاً دلالة على الخلل في تمثيل "المرأة" داخل "نسوية"، لا في عدد عضواتها أو المتعاطفين/ ات معها، بل، ضمن السياق اللبناني، في التستر على عناصر مختلفة من هويات النساء من الطبقات الاجتماعية الأكثر فقراً اللواتي تم تهميشهن في المجموعة48.

الوعي المثلي والتحولي الجنسي، الذي لم يكن ممثلاً في الأجيال السابقة من النسويات، حفّز قيام الموجة الرابعة، لكنها كانت راديكالية اقتبست بكثافة من قواعد ومعايير الجهات المانحة، من دون أن يكون لها تأثير فعلي على البنى  البطريركية في المجتمع المحلي. فقد تم تشكيل "نسوية" حول قضية "هوياتية" 49 ومقاربة "لاسياسية"، إلى درجة فشلها في ترجمة دعواتها المتفرقة في إطار نظري أو في برنامج مشترك على الأقل. انعكس ذلك في الممارسة العملية من خلال عدم القدرة على التعبئة حول موضوع "واحد"، وظلت المجموعة محصورة في سلسلة من المبادرات المتناثرة، والتي أدت إلى انشقاقات تنظيمية متكررة، إلى أن انهار التجمع، مرة أخرى، في العام ٢٠١٢50.

٢. أخذ المسافة من نسوية الدولة: حركية وتنوع الموقف النسوي في لبنان

خلال سنوات الحرب الأهلية، عملت المجموعات النسوية كممثلات عن حقوق المرأة بسبب انهيار مؤسسات الدولة، وبحلول الثمانينات من القرن العشرين، كما هو موضح أعلاه، أصبح للنسويات اليساريات والقوميات دور مركزي في الدوائر النشطة، ولعبت تلك المنظمات دوراً حاسماً في التغييرات التي مرّت بها الحركة وفي توجهها نحو "النظام".

تأطير الإصلاح التشريعي ضمن التحفظات اللبنانية على "سيداو"

أدى النقاش في السياسات العامة المتعلقة بالمرأة إلى تحجيم المنظمات النسوية ضمن الدور الاستشاري البحت، وغالباً ما ترافق ذلك مع مسار مأسسة "سيداو"، بتشجيع من الدولة اللبنانية، فقد لعبت النسويات الدور المركزي في التحضير لقمة بكين. الناشطات اللواتي مارسن تقاليد التضامن وتشاركن خبراتهن حول العنف، قمن باستباق، ربما عن غير دراية، مسار إعادة تنظيم الفضاء النسوي اللبناني. بل إن مؤتمر بكين أدّى إلى شرعية متزايدة للنضال الجديد، وساعد في وضع القضايا الجديدة على جدول الأعمال، كالعنف الأسري الذي لم تعره "النسوية الرسمية" أي اهتمام في السابق. لكن إشارات الافتراق ظهرت أيضاً في قمة بكين، خاصة ما بين النسويات اللواتي أنتجن المعرفة حول حقيقة هذا العنف، والنسويات اللواتي "نفين وجوده" من موقعهن الأكاديمي51 

بيد أن الجمعيات النسوية اللبنانية بدأت تدريجياً بتبني هذه الأنماط الجديدة من العمل في أعقاب المؤتمر، وبدت أكثر استهدافاً وتخصصاً وتطابقاً مع لغة المانحين. وقد حفّز تطبيق "سيداو" تسارع عملية تحوّل الحركات النسوية إلى نمط المنظمات غير الحكومية، التي ترافقت مع مأسسة نسوية الدولة وفك الارتباط، ولو جزئياً، مع إرث الحركات النسوية في العقود السابقة. وشمل هذا المسار تأسيس الدولة اللبنانية هيئة وطنية حول الجندر، من بين أمور أخرى، وفقاً لمبادئ "سيداو"، التي تنص على تشكيل لجنة غير حكومية تابعة للهيئة الوطنية، المشرفة عليها.

تم تشكيل الهيئة الوطنية بغياب التمثيل من المجتمع المدني، الذي طالب بموقعه في "القرار الديمقراطي" داخل الحركة. أمّا جو التعاون بين الحكومة والمجتمع المدني في التحضير لمسار بكين انتهى باستثناء الجمعيات النسوية. وفي العام ١٩٩٨، قامت اللجنة غير الحكومية بالانشقاق عن الهيئة الوطنية، وقررت تأسيس منظمة مستقلة بعد خلافات مع الهيئة الإدارية 52 . هذه الأمثلة توضح طبيعة المفاوضات السياسية بين الجماعات النسائية والدولة، من جهة، وقواعد اللعبة التي سعت الحكومة اللبنانية لفرضها من خلال تحفظاتها على اتفاقية "سيداو"، من جهة أخرى.

عكس رفض الحكومة لبعض مواد "سيداو"53 المقاومة البطريركية الشرسة لإصلاح جوهر مؤسسات الدولة اللبنانية، ليطال البنى الطائفية للعائلة والتنميط الجنسي المفرط لجسد المرأة وممارسة النساء حقهن كمواطنات. وقد عبّر المدير العام لوزارة العدل وجيه خاطر (١٩٩٥) عن هذا الأمر بوضوح ، قائلاً:

"فالمبدأ الأساسي الذي تركزت عليه الإتفاقية المذكورة هو مبدأ المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة دون أي إعتبار لوضعيتها البيولوجية والفيزيولوجية وخصوصيتها الأنثوية كزوجة وأم. وهذا التركيز مستمد من واقع بيئي وحضاري غربي لا يستسيغه الذوق الشرقي المرتبط بحضارات وديانات تميز بين الرجل والمرأة مع الحفاظ الكامل على كرامة المرأة والعدالة تجاهها ومنع الظلم عنها في كل ظرف ومكان. تجاه هذه الحضارات والديانات يبدو مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة غير صائب إذا أخذ على إطلاقه ... فإذا رغبت الدولة اللبنانية في الإنضمام الى الإتفاقية المتعلقة بعدم التمييز ضد المرأة وجب عليها أن تتحفظ بخصوص الوضعية البيولوجية والفيزيولوجية الخاصة بالمرأة... دون الوصول الى مبدأ مساواتها المطلقة بالرجل على الطريقة الغربية التي تتنافى مع مبادئ الإسلام والمسيحية والتقاليد الشرقية العريقة والمتجذرة وغير القابلة للتخطي"54 .

في الوقت ذاته، ومع هذه العملية المزدوجة من الاحتراف والمأسسة، استطاعت النسويات تعزيز دورهن كخبيرات، وإدماج التوجهات الجديدة للخطاب العالمي حول المساواة بين الجنسين على نطاق واسع، ومنها المقاربة الشاملة لمشكلة العنف ضد المرأة. ويبدو أن هذا التغيير جاء كاستجابة مباشرة لمقاومة الدولة اللبنانية، من أجل تشجيعها على سحب تحفظاتها على الاتفاقية. لكن هذه المقاومة لم تتجلَّ في الدولة فحسب، بل انعكست داخل الفضاء النسوي اللبناني بين المنظمات المدافعة عن وجهة نظر جذرية وتلك التي تدّعي الخبرة في الموضوع.

تخطى المسار النقاشات البحتة، وأسهم في نشوء جمعيات نسوية جديدة، مثل "الهيئة اللبنانية لمناهضة العنف ضد المرأة" و"اللجنة الأهلية لمتابعة قضايا المرأة" (المذكورة سابقاً)، ثم في وقت لاحق، منظمات مثل "كفى عنف واستغلال" و"مركز الموارد للمساواة بين الجنسين - أبعاد"، الخ. وبالمثل، فقد تطلب المسار قيام بعض الهيكليات بإعادة الاصطفاف في علاقتها مع قضايا التسعينات، حين تم استيعاب قضية "الجندر" (النوع الاجتماعي) إلى حد كبير في جدول الأعمال المؤسسي والحزبي. ومع بداية الألفية الثانية، شهد لبنان إعادة انتشار للقضايا "النسوية" على ثلاثة مستويات أساسية: الاحترافية، دعم تمثيل القضايا النسوية، وتنوع المواقف حيال الأطر المؤسسية.

كانت الاحترافية مصدراً لعدة توترات داخل الحركة، لكنها كانت ضرورية، حيث مكنت المجموعات من تكييف النماذج الجديدة التي اعتمدتها "سيداو" وتأطيرها. وشهدت فترة ما بعد الحرب وفرة في التمويل، أسهمت في نشوء منظمات جديدة، فضلاً عن "إعادة هيكلة" الجمعيات النسوية من الأجيال السابقة. فعلى سبيل المثال، نفذ "التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني" تقييماً خارجياً لبنيته بغرض تكييفه مع احتياجات الآليات الدولية. كما أسهمت النقلة النوعية التي تسببت بها "سيداو" إلى بعض من الاستقلالية الذاتية السياسية عن الهيكليات الحزبية. ولتوضيح ذلك، بدأ المسار جرّاء الصراعات داخل "الحزب الشيوعي اللبناني" وفي أعقاب تفكك "منظمة العمل الشيوعي" وانهيار الاتحاد السوفياتي، وخلقت القيادة النسوية الجديدة منظمات، وجداول أعمال، وشبكات حديثة؛ فاختارت "مسيرة المرأة" العالمية كإطار جديد للتعبئة والعمل والدعوة. ومع ذلك، وعشية المسيرة، انسحبت بعض المنظمات من المظاهرة لأن لائحة المطالب تضمنت دعوة لإقرار قانون مدني للأحوال الشخصية.

أوضحت هذه الانقسامات المواقف المتعددة للنسويات من "النظام" وأشارت إلى الحدود التي فرضتها الدولة على تطبيق اتفاقية "سيداو". وتم تثبيت الطابع الأبوي المهيمن في معظم الجهات والمؤسسات السياسية اللبنانية مرة أخرى في العام ٢٠١٤، مع اعتماد قانون مجزأ حول العنف الأسري، حيث، وبالرغم من أنه هدف لحماية المرأة من العنف الأسري بالأساس، فقد صدر كقانون لحماية الأسرة، محافظاً على مكانة للمرأة تعتمد على بنية الأسرة. كما أدخل البرلمان اللبناني المفاهيم المستعارة من المؤسسات الدينية في النص، فقام بتشريع الاغتصاب الزوجي تحت ذريعة "الحقوق الزوجية". 

بالرغم من أن القيود التي تفرضها الدولة على مقاربة "سيداو" قد أعاقت الإصلاح التشريعي إلى حد كبير، لكن عملية الدعوة إلى حماية المرأة من العنف الأسري لم تكن أقل إثارة للجدل، وأصبحت قضية سياسية كبرى في القطاع الجمعوي وأيضاً على مستوى مؤسسات الدولة.

تقليد المجتمع لتفكيك المعايير البطريركية؟

تبلورت الحركة حول العنف ضد المرأة، التي بدأت في أول الألفية، في العام ٢٠٠٧، مع اقتراح جمعية "كفى" مشروع قانون تمت المصادقة عليه من قبل تحالف للجمعيات النسوية، تحت اسم "التحالف الوطني لتشريع حماية النساء من العنف الأسري"، الذي نجح في العام ٢٠١٤ في تعبئة قطاعات مختلفة من المجتمع خارج الدوائر النضالية المعتادة وضغطت من أجل إقرار القانون في البرلمان. وقد شارك حوالي خمسة آلاف شخص في المظاهرة في ٨ آذار ٢٠١٤ دعماً للقانون، بالرغم من إقراره بصيغة أبوية للغاية في أول نيسان من العام ذاته.

ولتوضيح المقاربات المختلفة لمسألة العنف ضد المرأة، وبالتالي المسافة من النظام الأبوي، سيتم اعتماد مثلين عن التعبئة، حملة "نؤمن"، من تنظيم مركز "أبعاد"، وحملة "هون رجوليتك؟ فتّش عن إنسانيتك"، التي نسّقتها "كفى"، في إطار الحملة العالمية "١٦ يوم: أنشطة لمناهضة العنف ضد المرأة" في العام ٢٠١٢. بثت حملة "أبعاد" رسائل من رؤساء الطوائف الدينية يعظون الرجال بالامتناع عن العنف كممارسة تكرهها النصوص الدينية. وأوضحت "أبعاد" أهداف الحملة بالقول "إن النهج الذي نستخدمه ليس تبسيطياً تجاه الدين، فنحن نحاول التفاوض مع هذه المؤسسات، وهناك خلافات في الرأي داخلها وعلينا التقارب معها بطريقة لا تشعرها بالتهديد"55. لكن رفض "تهديد" المؤسسة الأبوية مباشرة، أدى إلى ترسيخ سلطة الزعماء الدينيين في تفسير النصوص المقدسة، وبالتالي إلى وضع معايير السيطرة على المجتمع.

من ناحية أخرى، اختارت "كفى" طرح الأسئلة حول الأشكال السائدة للرجولة والسلوك الذكوري، عن طريق حث الرجال على بناء الهويات البديلة التي لا تستجيب للنموذج العنفي والقمعي. بناء عليه، أطلقت "كفى" حملة إعلانية كانت بمثابة مرآة للسلوك الذكوري العنفي، وذلك لتسليط الضوء على متطلبات الذكور ومحاولة وضعها تحت الاختبار من أجل تغييرها. في الحملة ذاتها، نشرت "كفى" شهادات خطّها رجال يفكرون ويعيشون رجولتهم من خلال مقاومة النظام الأبوي في المجال العام وكذلك في إطار العلاقات الخاصة والحميمة في حياتهم اليومية.

في حملة "كفى"، يتحدث الذكر لتجسيد "الرجولة المقاومة" للنظام الأبوي، على عكس مقاربة "أبعاد"، التي تسهم، بالنسبة إلى الكثير من المراقبين، في ترسيخ سلطة زعماء الدين، الأوصياء على القوانين الطائفية للأسرة في السياق اللبناني. كما يتعارض هذان النهجان في في معاملتهما لمعيار الذكورة: أحدهما يحاول تفكيك نموذج الهيمنة الذكورية، والآخر يعزز مكانة السلطة الدينية في تحديد المعيار، وبالتالي الحفاظ على الوضع القائم.

المسافة بين النسوية والنظام البطريركي اللبناني تتفاوت بين المقاربة العملية والنهج الثوري للمنظمات، وأحياناً داخل المنظمة نفسها. هذا وتُظهر "كفى" دينامية في موقفها في ما يتعلق بمؤسسات الدولة، فتجمع بين الضغط على المؤسسات التشريعية والتنفيذية، والتحدي الجذري للمعايير الأبوية. واستمرت  منظمات أخرى في العمل على القضايا الوطنية أيضاً، وفضّلت المقاربة الشاملة للتغيير الاجتماعي، ولكنْ، هذه المرة، تمحورت الدعوة حول المطالبة بحجز "مكان" للمرأة في المؤسسات، من خلال تخصيص حصص برلمانية وإدارية للنساء. كما ظهرت أشكال الاستقطاب المؤسسي في مجال المنظمات النسائية غير الحكومية في استجابتها لمشاريع المانحين، وفي تحديدها لموقعها كـ "جهات تقدم خدمات"، من دون الاحتجاج على الوضع الراهن بشكل جدي.

نجحت "كفى" في تعبئة المواطنين لمظاهرة ٨ آذار ٢٠١٤، وتحويل العنف ضد المرأة إلى قضية عامة، عندما قامت النساء ضحايا العنف المنزلي بالكشف عن هوياتهن "العارية" في المجال العام، بتشجيع من التغطية الإعلامية الواسعة للموضوع. من وجهة نظر "كفى"، فإن أجساد النساء ضحايا العنف المنزلي وقصصهن المعبر عنها في الفضاء العام، سوف تسهم في تفكيك تلك الظاهرة الاجتماعية ووصمة العار التي ترافقها، وستقوم بإظهارها كانتهاك للحقوق. وبينما كانت تلك النساء في السابق يتعرضن للّوم ويُدفعن إلى تحمل العنف بصمت، قامت المسيرة بإظهار جوهرهن المضطهَد، بهدف المطالبة بحقوقهن داخل البنية الطائفية القائمة للأسرة. وبالرغم من الاستراتيجية الجديدة في هذا الاحتجاج (الذي تضمن أصوات اللواتي والذين يقاومون/ ن "النظام")، فقد كانت النتائج متباينة، وتتطلب هذه الاستراتيجية من المنظمات النسوية استكشاف أنماط جديدة من الاحتجاج الاجتماعي، خارج الإصلاح التشريعي المؤطر من قبل الدولة.

إنتفاضة نسوية في الربيع العربي؟

هناك حركة نسوية جديدة تنشط في سياق الربيع العربي، من أجل "الحرية، والاستقلال، والأمان". ثلاث نساء قمن بالإجابة عن السؤال حول العلاقة بين قضايا النوع الاجتماعي والثورة وأطلقن "انتفاضة المرأة في العالم العربي" في تشرين الأول ٢٠١١. وقد استقطب أول نشاط على "فيسبوك" آلاف المشاركات، وحظيت الصفحة بمئة ألف "إعجاب". وفي الفترة بين ٢٠١١ و٢٠١٣، تطوعت أكثر من عشر نساء لإدارة الصفحة. وقامت صفحة "الانتفاضة" بالإضاءة على التمييز ضد المرأة في العالم العربي على كافة الصعد (الاجتماعية، الاقتصادية، السياسية، القانونية، الخ.) وحقيقة أن النساء حول المنطقة يتشاركن في العديد من النضالات. وقد هدفت إلى إعادة فتح النقاش حول وضع المرأة التي كانت عرضة لعدّة ردّات فعل خلال المظاهرات في البلدان العربية. وقد استفاد التجمع من شبكات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى الذخيرة الأكثر كلاسيكية، كتنظيم الاعتصامات وكتابة البيانات الإعلامية. ولم يكن مضمون الردود على الحملة أقل إثارة للحماسة، وخاصة حول القضايا المتعلقة بالجسد التي أثارت نقاشات ساخنة. تحت صورة أرسلتها للحملة، قالت دانا بقدونس: "أنا مع انتفاضة المرأة في العالم العربي، لأنني كنت محرومة ولمدة ٢٠ سنة من أن يلامس الهواء جسدي.. وشعري"، الأمر الذي أدّى إلى حظر الصفحة لعدة أيام.

ركّزت الحملات النسوية في "الربيع العربي" بشكل رئيسي على قضايا الجسد وحاجة المرأة إلى إعادة كتابة التاريخ، تاريخها هي، وشجعت المبادرات المنتوعة على إنشاء مجموعات جديدة، كمجموعة "الانتفاضة" أعلاه، "عشتار"56، "قوة ضد التحرش/ الاعتداء الجنسي الجماعي" (أوبانتيش)57 و"صوت النسوة" (المنشق عن "نسوية").

تميّز هذا النهج الجديد بمعارضته للمقاربات الشمولية، والرغبة في توثيق قصص النساء غير المرئية، وكتابتها من قبلهن، كما يتضح من الأمثلة المذكورة. بروز القضايا المتعلقة بالحقوق الجسدية وجد رمزه في أواخر العام ٢٠١١ في صورة ماجدة علياء المهدى، من مصر، العارية أمام الكاميرا احتجاجاً على العنف الجنسي في بلدها. لكن الخطوة تعرضت للكثير من النقد، من الليبراليين قبل الإسلاميين، فحرية الجسد ظهرت كقيمة مضافة على الصراعات التي تشهدها الثورة العربية، بما في ذلك التي تخوضها النساء. وهو يشكل دعوة متأخرة لمثول النساء بأجسادهن [habeas corpus] 58 في المجال العام، للتعبير عن آرائهن وتحمّل العواقب المادية لهذا الأمر.

ويمكن تفسير التشكيل المتأخر للحق في امتلاك الجسد والتصرف به، كنتيجة لإدراك الخطر الوشيك للإسلاموية، خاصة من قبل أولئك الذين تطلعوا إلى توطيد سلطتهم. ففي السياق المابعد كولونيالي للدول العربية - بين الرغبة في النأي بالنفس عن معايير الغرب والسعي، في الوقت ذاته، إلى بناء المجتمعات على المبادئ القومية والاشتراكية والإسلامية - مارست العلمانية سياسات احتواء جسد المرأة وحقوقها. وقد يكون هذا الأمر موضوعاً لمزيد من البحث في وقت لاحق.

خاتمة

حاولت هذه الورقة البحثية الإضاءة على التطور الفكري والاجتماعي للتعبئة النسوية في لبنان. فالموجة الأولى، التي تشكّلت داخل "الجمهورية"، تكوّنت عن طريق النساء من البرجوازية اللبنانية اللواتي تمتعن بمستوى عالٍ من التعليم. وكان الشعار الرئيسي لنضالهن هو القضاء على الاستعمار، وطالبن بالحق في التصويت والمشاركة في الحياة السياسية من ذلك المنظور القومي. وكانت رائدات الحركة النسوية اللبنانية عموماً بعيدات تماماً عن اهتمامات الطبقات العاملة، وانتظمن في منظمتين رئيسيتين عكستا التقسيم الطائفي للمجتمع. إلا أنه، وبعد عدد من التحركات ضد القانون الانتخابي الأول لعام ١٩٥١، الذي منع مشاركة المرأة في الحياة السياسية، قررت المنظمتان الاندماج تحت راية واحدة، "المجلس النسائي اللبناني". بيد أن نهج المجلس الجديد آنذاك، لم يهدف إلى زعزعة الوضع الديني الراهن، وكان أن تلقّى العمل السياسي للمرأة من ذلك الجيل مباركة القيادات السياسية الطائفية، وكان يجري تحت إشرافهم. وباختصار، كانت حركة لـ "نسوية الذكور"، المسيطر عليها زعماء الطوائف والمنفصلة نسبياً عن القواعد الشعبية.

الفترة التي تلت تفكك القومية ومشاريعها الإنمائية في البلدان العربية انعكست انتقالاً من حركة نسائية قومية/ وطنية إلى النسوية اليسارية. الموجة الثانية ظهرت داخل الأحزاب السياسية بالتحديد، لكن المنظمات النسائية لم تكن سوى أذرعة للمنظمات الحزبية، مثلها مثل المنظمات الشبابية. فقضايا المرأة كانت ثانوية، وتحتجب وراء قضية التحرر الوطني. وتعرّضت نسويات ذلك الجيل للمراقبة من قبل رفاقهن الرجال على رأس الأحزاب. وبعد هزيمة ١٩٦٧، تعرّضت الإيديولوجيات المهيمنة (القومية العربية الناصرية، "البعث"، مؤيدين للقضية الفلسطينية، وغيرهم) للمساءلة، واستفادت النسويات من أدبيات الحركات النسوية في أوروبا والولايات المتحدة، ما أدى إلى ترسيخ بعض النخبوية الفكرية والأكاديمية والانقطاع عن هموم المرأة اللبنانية، لا سيما في المناطق الأكثر فقراً (البقاع وعكار والجنوب، الخ.). غياب الخطاب السياسي تبلور مع بداية الحرب الأهلية في تحوّل عمل المرأة إلى الجهود الإنسانية، من دون مقارعة حقيقية لأمراء الحرب.

أبصرت الموجة الثالثة النور أوائل التسعينات من القرن العشرين، قبيل بدء التحضيرات لمؤتمر بكين، وتميزت باندفاع المجموعات النسوية نحو نمط المنظمات غير الحكومية. وهكذا تم تحديد الأولويات من قبل المانحين، وأدّى التنافس إلى انشقاقات جديدة. النخبوية التي طالما طغت على النسوية اللبنانية ظلّت ظاهرة في الجيل الثالث الذي تشكّل من المحترفات والخبيرات اللواتي اكتسبن المعرفة المتعلّقة بمصطلحات معينة.

بداية الموجة الرابعة تمحورت حول حركة مناهضة الإمبريالية، وأدّت إلى تأسيس جمعية "حلم" (وحركة المثليين والمثليات)، انطلاقاً من النظرة إلى المرأة كتركيب اجتماعي ينتج عن الاضطهاد الذي تتعرض له من قبل النظام الأبوي والديني. هذه الموجة، التي بدأت بالتركيز على الهوية المثلية (السحاقية) لنساء من الطبقات الوسطى والعليا تمتعن بفرصة للتعليم الخاص في بيروت (خريجات الجامعات الكبرى، "الجامعة الأميركية في بيروت"، "جامعة القديس يوسف"، و"الجامعة اللبنانية الأميركية")، أفضت إلى خلق جمعية "نسوية". ولكن نسويات هذا الجيل، كما أسلافهن، فشلن في الخروج من الدوائر النخبوية.

فهل يمكن الحديث عن فشل اليوتوبيا النسوية في لبنان؟ لكنْ، سيكون من التبسيط الاستدلال على ذلك فقط من تاريخ تشكيل المنظمات النسوية. لا شك أن استراتيجيات الضغط على المؤسسات التشريعية والإدارية والقضائية محصورة ضمن تحفظات لبنان على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، لكنها تحفظّات تطال جوهر الوجود المؤنث: حق المرأة في السيطرة على جسدها. في كافة الأحوال، تلك الاستراتيجيات أثّرت فعلاً في التعبئة غير المسبوقة في ٢٠١٤ حول قانون العنف الأسري. وقامت قيادات جمعيات مثل "كفى" بنشر خطاب النساء ضحايا العنف الأسري أنفسهن، ولأول مرة في الفضاء العام في لبنان، بالتزامن مع حملة إعلامية أسهمت في تعرّف الجمهور على الضحايا. كان هذا التحول في الحراك النسوي اللبناني نتيجة، ولو جزئية، لصعود الحركات الاجتماعية في العالم العربي وانتشار مبادرات المطالبة باستعادة الجسد وتاريخه اليومي، ليكون بمثابة دعوة لمثول النساء "جسدياً" داخل "الربيع العربي".

 

المراجع:

فهمية شرف الدين، الحركة النسائية في لبنان، إسكوا، ٢٠٠٦.

عزة شرارة بيضون، نساء وجمعيات لبنانيات بين إنصاف الذات وخدمة الغير، دار النهار، بيروت، ٢٠٠٢.

وليد ضو، "الحركة العمالية والنقابية في لبنان: تاريخ من النضالات والانتصارات"، مجلة الثورة الدائمة، العدد ٣، آذار ٢٠١٣. 

حريات خاصة، الكرامة الإنسانية في قانون العقوبات، مكتبة صادر، بيروت، ٢٠٠٣.

عايدة الجوهري، رمزية الحجاب، مفاهيم ودلالات، مركز دراسات الوحدة العربية، ٢٠٠٧.

نهوند القادري، "صحافة النساء وجمعياتهن في العشرينات: وجهان لعملة واحدة"، في النساء العربيات في العشرينات حضوراً وهوية، مركز دراسات الوحدة العربية، باحثات، الطبعة الثانية، بيروت، ٢٠١٠.

إيمان شمص شقير، نساء في إمرأة: سيرة لور مغيزل، النهار، بيروت، ٢٠٠٢.

كارولين سكر، المجلس النسائي اللبناني: إشكالية حركته المطلبية، رسالة ماجستير، الجامعة اللبنانية، معهد العلوم الاجتماعية - الفرع الثاني، ٢٠٠٣.

فواز طرابلسي، "دليل رجل ذكي إلى النسوية العربية الحديثة"، مجلة الرائدة، المجلد ٢٠، العدد ١٠٠، شتاء ٢٠٠٣.

 

Marie-Noëlle AbiYaghi, L’altermondialisme au Liban : un militantisme de passage. Logiques d’engagement et reconfiguration de l’espace militant (de gauche) au Liban, PhD thesis, Université Paris I Panthéon-Sorbonne, 2013.

Luc Boltanski, Eve Chiapello, Le Nouvel Esprit du capitalisme, Paris, Gallimard, 1999.

Géraldine Chatelard, "Constructing and deconstructing “the Iraq refugee crisis”", paper presented at the conference of the International Association of Contemporary Iraqi Studies, SOAS, London, 16 and 17 of July 2008.

Agnès Favier: Agnès Favier, Logiques de l’engagement et mode de contestation au Liban. Genèse d’une génération de militants intellectuels (1958-1975), PhD dissertation, Paul Cézanne University, Aix-Marseille III, 2004.

Geneviève Fraisse, "L’HABEAS CORPUS des femmes : une double révolution?", February 16th, 2014.

Karam Karam, Le mouvement civil au Liban. Revendications, protestations et mobilisations associatives dans l’après-guerre, Paris, Karthala, 2006.

Samir Kassir, La guerre du Liban : De la dissension nationale au conflit régional, KARTHALA-CERMOC, 1994.

Charlotte Krolokke, Anne Scott Sorensen, Gender Communication Theories and Analyses From Silence to Performance, SAGE Publications, Inc., 2005.

Ghassan Makarem, “The Story of Helem”, in Journal of Middle East Women’s Studies, Vol.7, n°3, Fall 2011

Isabelle Sommier, “ Cycle de mobilisation”, in, Olivier Fillieule, Lilian Mathieu, Cécile Péchu, Dictionnaire des mouvements sociaux, Paris, Presses de Science Po, 2009.

Johanna Siméant, "Urgence et développement, professionnalisation et militantisme dans l’humanitaire", Mots, n°65, 2001; Frédéric Sawicki, "Les temps de l’engagement. À propos de l’institutionnalisation d’une association de défense de l’environnement", in Lagroye (Jacques) (dir.), La politisation, Paris, Belin, 2003.

Sidney Tarrow, Power in Movement: Social Movements and Contentious Politics, Cambridge, Cambridge University Press, 2011.

Taylor Verta; Whittier Nancy, “Collective identity in social movement communities: Lesbian feminist mobilization” Morris Aldon D. (Ed); Mueller Carol McClurg (Ed), Frontiers in social movement theory, New Haven, CT, US: Yale University Press, 1992.

UNFPA and Centre of Arab Women for Training and Research, Situation Analysis in Gender Based Violence in Lebanon, 2011

  • 1. هشام شرابي، البطريركية الجديدة: نظرية التغيير المشوه في المجتمع العربي، لندن، روتلج، ١٩٨٨، ص. ٢١٢؛ حليم بركات، العالم العربي: المجتمع، الثقافة، والدولة، مطبعة جامعة كاليفورنيا، بيركلي، لوس أنجلس، ١٩٩٣، ص. ٣٤٨؛ سعاد جوزف، جندرة الجنسية في العالم العربي، نيويورك، مطبعة جامعة سيراكوز، ٢٠٠٠، ص. ٤٠٠.
  • 2. المنتدى الاقتصادي العالمي، تقرير الفجوة بين الجنسين، (بالإنجليزية)، ٢٠١٣، http://www3.weforum.org/docs/WEF_GenderGap_Report_2013.pdf.
  • 3. صندوق الأمم المتحدة للسكان ومركز المرأة العربية للتدريب والبحوث، تقرير حال العنف القائم على الجندر، ٢٠١١، http://www.unfpa.org.lb/Documents/1-Situation-Analysis-of-GBV-in-Lebanon.aspx.
  • 4. حول الموجات المتعاقبة، مراجعة الفصل الأول من، شارلوت كرولوكي، آن سكون سورنسن، نظريات وتحليلات التواصل الجندري من الصمت إلى الأداء، منشورات SAGE Inc.، ٢٠٠٥، ص. ٢٠٨.
  • 5. سيدني تارو، في الحركة قوة: الحركات الاجتماعية والسياسات المثيرة للجدل، مطبعة جامعة كامبريدج، ٢٠١١.
  • 6.  إزابيل سوميه، "دورة التعبئة"، في، أوليفييه فيليول، ليليان ماثيو، سيسيل بيشو، معجم الحركات الاجتماعية (بالفرنسية)، مطبعة العلوم السياسية، باريس، ٢٠٠٩، ص. ١٧٣.
  • 7. مصطلح بدأ استخدامه في الولايات المتحدة في بدايات التسعينات من القرن العشرين للإضاءة على تطور الفكر النسوي.
  • 8. حول "اليسار الجديد" في الستينات من القرن العشرين، الرجاء مراجعة أطروحة الدكتوراه لأغنيس فافيه، منطق الانخراط ونمط الخصام في لبنان. في أصول جيل المناضلين المثقفين (١٩٥٨-١٩٧٥) (بالفرنسية)، جامعة بول سيزان، إيكس - مارسيليا ٣، ٢٠٠٤.
  • 9. حول هذه النقطة تحديداً، مراجعة، كرم كرم، الحركة المدنية في لبنان، مطالبات، احتجاجات وتحركات الجمعيات بعد الحرب (بالفرنسية)، كارثالا، باريس، ٢٠٠٦.
  • 10. حول الدورة التعبوية تلك، الرجاء مراجعة، ماري نويل أبي ياغي، العولمة البديلة في لبنان: نضال عبور. منطق الانخراط وإعادة تركيب الفضاء الناشط (لليسار)  في لبنان (بالفرنسية)، أطروحة دكتوراه، جامعة باريس ١ - بانثيون سوربون، ٢٠١٣.
  • 11. فواز طرابلسي، دليل رجل ذكي إلى النسوية العربية الحديثة، مجلة الرائدة، المجلد ٢٠، العدد ١٠٠، شتاء ٢٠٠٣، ص. ١٧.
  • 12. طرابلسي، ٢٠٠٣، المصدر أعلاه؛ كارولين سكر، المجلس النسائي اللبناني: إشكالية حركته المطلبية، رسالة ماجستير، الجامعة اللبنانية، معهد العلوم الاجتماعية - الفرع الثاني، ٢٠٠٣، ص. ٥٠-٥١.
  • 13.  سكر، المصدر أعلاه.
  • 14. عزة شرارة بيضون، نساء وجمعيات لبنانيات بين إنصاف الذات وخدمة الغير، دار النهار، بيروت، ٢٠٠٢، ص. ١٣.
  • 15. عايدة الجوهري، رمزية الحجاب، مفاهيم ودلالات، مركز دراسات الوحدة العربية، ٢٠٠٧.
  • 16. نهوند القادري، "صحافة النساء وجمعياتهن في العشرينات: وجهان لعملة واحدة"، في النساء العربيات في العشرينات حضوراً وهوية، مركز دراسات الوحدة العربية، باحثات، الطبعة الثانية، بيروت، ٢٠١٠، ص. ٨٢، ٨٣.
  • 17.  إيمان شمص شقير، نساء في إمرأة: سيرة لور مغيزل، النهار، بيروت، ٢٠٠٢، ص. ٥٠.
  • 18.  المصدر أعلاه.
  • 19.  سكر، ٢٠٠٣، مصدر مذكور سابقاً، ص. ٥٧.
  • 20.  شقير، ٢٠٠٢،  مصدر مذكور سابقاً، ص. ٣٦.
  • 21. كرم، ٢٠٠٦، مصدر مذكور سابقاً، ص. ٩٧.
  • 22. سكر، ٢٠٠٣، مصدر مذكور سابقاً، ص. ٥٣.
  • 23. فهمية شرف الدين، الحركة النسائية في لبنان، الاسكوا، ٢٠٠٦، ص. ١٢.
  • 24. شرارة بيضون، ٢٠٠٢، مصدر مذكور سابقاً، ص. ١٤.
  • 25. رئيس الجمهورية في لبنان، انتخب في العام ١٩٥٨، وتُعرف فترة حكمه ومشروعه الإصلاحي بـ "الشهابية".
  • 26. شرارة بيضون، ٢٠٠٢، مصدر مذكور سابقاً، ص. ١٤.
  • 27. كرم، ٢٠٠٦، مصدر مذكور سابقاً، ص. ٥٣.
  • 28. "احتياجات وفرص التنمية في لبنان: دراسة أولية. بعثة إيرفد - لبنان ١٩٦٠-١٩٦١"، معهد الابحاث والتدريب من أجل التنمية (إيرفد)، وزارة التصميم العام، بيروت، لبنان، ١٩٦٣ أو ١٩٦٤.
  • 29.  كرم، ٢٠٠٦، مصدر مذكور سابقاً، ص. ٥٤.
  • 30.  شرف الدين، مصدر مذكور سابقاً.
  • 31.  المصدر أعلاه، ص. ١١.
  • 32. مقابلة مع جيهان، ١٦ أيار ٢٠١٣.
  • 33. مقابلة مع عريب، ٥ أيار ٢٠١٣.
  • 34. حول هذا الموضوع، مراجعة، سمير قصير، حرب لبنان: من الشقاق الوطني إلى النزاع الإقليمي، كارثالا - سيرموك، ١٩٩٤، ص. ٩١. ويكتب فواز طرابلسي في مجلة "الحرية" التابعة لـ "منظمة العمل الشيوعي" في ٣ تشرين الأول ١٩٧٧، عن "مجابهة دين الحكام بدين المحكومين، دين الشبعانين بدين الجياع"، في، وليد ضو، "الحركة العمالية والنقابية في لبنان: تاريخ من النضالات والانتصارات"، مجلة الثورة الدائمة، العدد ٣، آذار ٢٠١٣، ص. ٣١.
  • 35. مقابلة مع جيهان، مصدر مذكور سابقاً.
  • 36. حول هذه الظاهرة، لوك بولتانسكي، إيف شيابيلو، الروح الجديدة للرأسمالية (بالفرنسية)، غاليمار، باريس، ١٩٩٩، ص. ٨٤٣.
  • 37. جوهانا سيميان، "الطوارئ والتنمية، الاحترافية والنضالية في العمل الإنساني" (بالفرنسية)، مجلة Mots، عدد ٦٥، ٢٠٠١؛ فريدريك ساويكي، "أزمنة الالتزام. حول مأسسة جمعية تدافع عن البيئة"، في، جاك لاغروي (محرر)، التسييس، دار بولان، باريس، ٢٠٠٣.
  • 38. جيرالدين شاتولار، "بناء وتفكيك "أزمة اللجوء العراقي"" (بالإنجليزية)، ورقة قدمت في مؤتمر المؤسسة الدولية للدراسات العراقية المعاصرة، مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية SOAS، لندن، ١٦ و١٧ أيلول ٢٠٠٨، ٢٠٠٨.
  • 39.  غسان مكارم، "قصة حلم" (بالإنجليزية)، في مجلة دراسات المرأة في الشرق الأوسط JMEWS، المجلد السابع، العدد ٣، خريف ٢٠١١، ص. ١٠٢؛ وأبي ياغي، ٢٠١٣، مرجع مذكور سابقاً.
  • 40.  أبي ياغي، ٢٠١٣، مرجع مذكور أعلاه.
  • 41.  أبي ياغي، ٢٠١٣، المرجع أعلاه؛ حول هذا الموضوع أيضاً، مراجعة، أنثوني رزق وغسان مكارم، "الرجولة المهددة: منظمات الحقوق الجنسية والدولة الذكورية في لبنان"، مجلة المجتمع المدني، العدد ١، ٢٠١٥.
  • 42. مقابلة مع خلود، ناشطة في جمعية "نسوية"، ٢٦ آب ٢٠١٣.
  • 43. المصدر أعلاه.
  • 44. مع اعتماد المصطلح بالعربية في ترجمة الاسم للاتينية.
  • 45.  مقابلة مع خلود، مصدر مذكور سابقاً. هذا يستدعي عمل جوديث بتلر، ونقدها لافتراضات الحركات النسوية أن هناك هوية نسوية ما يجب أن يتم تمثيلها في المجال العام، فبالنسبة لبتلر، "النساء" فئة معقدة من التفاعلات العرقية والطبقية والجنسانية وغيرها من عوامل تشكيل الهوية.
  • 46.  معظم اللقاءات والنقاشات التي تم رصدها كانت باللغة الإنجليزية.
  • 47. وقد تم رصد ديناميات واتجاهات مماثلة في المجموعات الناشطة الأخرى في أوائل الألفية الثانية، خاصة في جو العولمة البديلة؛ مراجعة، أبي ياغي، ٢٠١٣، مصدر مذكور سابقاً.
  • 48.  المصدر أعلاه.
  • 49. فيرتا تايلور، نانسي ويتيير، "الهوية الجماعية في جماعات الحركات الاجتماعية: التعبئة النسوية المثلية" (بالإنجليزية)، في، ألدون د. موريس، وكارول ماكلورغ مولر، (تحرير)، تخوم نظرية الحركات الاجتماعية، مطبعة جامعة يال، نيو هافن، كونيتيكت، ١٩٩٢، ص. ١٠٤-١٢٩.
  • 50. ملاحظات ميدانية؛ أيضاً مراجعة، مدونة فرفحين، "النسوية والنقد الذاتي: ملاحظات من تجربتي الشخصية"، أيلول، ٢٠١٤، على الإنترنت، http://farfahinne.blogspot.com/2014/09/feminism-and-self-criticism-notes-from.html (آخر ولوج، ١٢ كانون الثاني ٢٠١٥).
  • 51.  مقابلة مع آسيا، ٥ أيلول ٢٠١٣.
  • 52. مقابلة مع فريال، ٢١ أيار ٢٠١٣.
  • 53.  وتشمل تحفظات لبنان على سيداو المادة ٩ المتعلقة بقانون الجنسية، والمادة ١٦ المتعلقة بالمساواة في قانون العائلة.
  • 54. حريات خاصة، الكرامة الإنسانية في قانون العقوبات، مكتبة صادر، بيروت، ٢٠٠٣.
  • 55. مقابلة مع سمية، ٢١ آب ٢٠١٣.
  • 56. http://3ashtar.com/home/
  • 57. https://www.facebook.com/opantish/info?tab=page_info
  • 58. habeas corpus:  حرية أساسية مبنية على مفهوم امتلاك الجسد كأساس لامتلاك الذات؛ مراجعة جنفياف فريس، "هابياس كوربوس النساء ثورة مزدوجة؟"، ١٦ شباط ٢٠١٤، http://feministesentousgenres.blogs.nouvelobs.com/archive/2014/02/16/l-habeas-corpus-des-femmes-une-double-revolution-par-genevie-522793.html (آخر ولوج في ١٥ أيار ٢٠١٤).